محمود محمود الغراب
الرؤيا والمبشرات 53
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
نزوله ، فعلمنا بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنه لا نبي بعدي ولا رسول ، وإن النبوة قد انقطعت والرسالة » إنما يريد بهما التشريع ، فلما كانت النبوة أشرف مرتبة وأكملها ، ينتهي إليها من اصطفاه اللّه من عباده ، علمنا أن التشريع في النبوة أمر عارض ، بكون عيسى عليه السلام ينزل فينا حكما من غير تشريع ، وهو نبي بلا شك ، فخفيت مرتبة النبوة في الخلق بانقطاع التشريع ، ومعلوم أن آل إبراهيم من النبيين والرسل الذين كانوا بعده ، مثل إسحق ويعقوب ويوسف ومن انتسل منهم ، من الأنبياء والرسل بالشرائع الظاهرة ، الدالة على أن لهم مرتبة النبوة عند اللّه ، فأراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يلحق أمته ، وهم آله العلماء الصالحون ، بمرتبة النبوة عند اللّه وإن لم يشرعوا ، ولكن أبقى لهم من شرعه ضربا من التشريع ، فقال : « قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد » أي صل عليه من حيث ما له آل ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، أي من حيث أنك أعطيت آل إبراهيم النبوة تشريفا لإبراهيم ، فظهرت نبوتهم بالتشريع ، وقد قضيت أن لا شرع بعدي ، فصل عليّ وعلى آلي بأن تجعل لهم مرتبة النبوة عندك وإن لم يشرعوا ، فكان من كمال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أن ألحق آله بالأنبياء في المرتبة ، وزاد على إبراهيم بأن شرعه لا ينسخ ، وبعض شرع إبراهيم ومن بعده ، نسخت الشرائع بعضها بعضا ، وما علّمنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الصلاة عليه على هذه الصورة ، إلا بوحي من اللّه وبما أراه اللّه ، وأن الدعوة في ذلك مجابة ، فقطعنا أن في هذه الأمة من لحقت درجته درجة الأنبياء في النبوة عند اللّه ، لا في التشريع ، ولهذا بيّن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأكد بقوله : « فلا رسول بعدي ولا نبي » فأكد بالرسالة من أجل التشريع ، فأكرم اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن جعل آله شهداء على أمم الأنبياء ، كما جعل الأنبياء شهداء على أممهم ، ثم أنه خص هذه الأمة أعني علماءها ، بأن شرع لهم الاجتهاد في الأحكام ، وقرر حكم ما أداه إليه اجتهادهم ، وتعبدهم به وتعبد من قلدهم به ، كما كان حكم الشرائع للأنبياء ومقلديهم ، ولم يكن مثل هذا لأمة نبي ما لم يكن نبيا بوحي منزل ، فجعل اللّه وحي علماء هذه الأمة في اجتهادهم ، كما قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ فالمجتهد ما حكم إلا بما أراه اللّه في اجتهاده ، فهذه نفحات من نفحات التشريع ما هو عين التشريع ، فلآل محمد صلى اللّه عليه وسلم وهم المؤمنون من أمته العلماء ، مرتبة النبوة عند اللّه ، تظهر في الآخرة وما لها حكم في الدنيا ، إلا هذا القدر من